من خطب الشيخ الأديب:محمد البشير الإبراهيمي

من خطب الشيخ الأديب

محمد البشير الإبراهيمي (رحمه الله) 

في مساء الثلاثاء 29جانفي 1952 أقامت شعبة جمعية العلماء المسلمين بباريس مأدبة عشاء بنزل ( العالمَين) deux mondes في شارع الأوبرا على شرف الوفود العربية و الإسلامية في منظمة الأمم المتحدة . و قد ألقيت في هذا الحفل ثلاث خطب : الأولى للأستاذ عبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية ، و الثانية للأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رئيس علماء الجزائر ، و الثالثة للأستاذ فارس الخوري رئيس الوفد السوري . 
ومما جاء في هذه الخطبة : 


   أيها الإخوان ! 
يقول المستعمرون عنا : أننا خياليون ، وأننا _حين نعتز بأسلافنا_ نعيش في الخيال و نعتمد على الماضي ، و نتكل على الموتى ، يقولون هذا عنا في معرض الإستهزاء بنا ، أو في معرض النصح لنا ، وأنا لا أدري متى كان ابليس مذكرا ؟ ما يرمون إليه ، إنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض ، حتى إذا استيقظنا من نومنا أو من تنويمهم لنا ، لم نجد ماضيا نبني عليه حاضرنا، فاندمجنا في حاضرهم و هو ما يرمون إليه ، و سلوهم.... هل نسوا ماضيهم ؟ إنهم يبنون حاضرهم على ماضيهم ، إنهم يعتزون بآبائهم و أجدادهم ، إنهم يخلدون عظماءهم في الفكر والأدب و الفلسفة و الحرب والفن ، إنهم لا ينسون الجندي ذا الأثر فضلا عن القائد الفاتح ، وهذه تماثيلهم تشهد وهذه متاحفهم تردد الشهادة . 
    إن القوم يحتقرون حاضرنا الذي أوصلونا إليه ، و يعتقدون أننا صبيان فيتذكرون ماضيهم ليبنوا عليه حاضرهم و مستقبلهم ، و ينكرون علينا ذلك، فمن حقنا ، بل من واجبنا أن نعرف ماضينا و الرجال الذين عمروه في ميادين الحياة ، فنعرف من هو أبو بكر ؟ ومن هو عمر ؟ و نعرف ما صنع عقبة و حسان و طارق و موسى و طريف في الغرب ، و ما صنع المثنى و سعد و خالد و قتيبة في الشرق.
البشير الإبراهيمي


   ألا إ إنهم يذكرون أبناءهم بماضيهم ، ويلقنونهم سير أجدادهم و أعمالهم ، وإنهم يذكرون أبناءنا المتأثرين بعلومهم و صناعاتهم بذلك ، و يأتونهم بما يملأ عقولهم و نفوسهم حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا و أسلافنا ، وان الواحد من هذا الصنف من أبنائنا  ليعرف الكثير عن نابليون ، ولا يعرف شيئا عن عمر ، و يحفظ تاريخ (جان دارك) عن ظهر قلب ، ولا يحفظ كلمة عن عائشة و خديجة و ان هذه لهي الخسارة التي لا تعوض ، وإني أتخيل أن لهم في تحريف الكثير من اسماء أعلامنا مأربا يوم كانوا يأخذون العلم عنا ، كأنهم ألهموا من يومئذ أن الزمان سيدور و أن دورة الفلك علينا بالسعد ستنتهي ، وأننا سنعود الى الأخذ عنهم ، فحرفوا أسماءهم لتشتبه على أبنائنا ، فلا يعرفون أن(أفرويس) هو ابن رشد و أن (افيسن) هو ابن سينا ، وأن (جيبرال طار) هو جبل طارق ، وهكذا يتكلم أبناؤنا اليوم بهذه الأسماء و كذا ينطقون بها ، و لا يهتدون إلى أصحابها حتى يقيض الله لهم من يكشف الحقيقة ، ثم يبقى أثر الشك في نفوسهم ، لما يصحب تثقيفهم الأجنبي من تحقير لجنسهم و حكم على تاريخهم بالعقم الفكري ... وانها لمصيبة يجب علينا أن ننتبه الى خطرها ، و نبادرها بالعلاج ، وأن دواءها هو تثقيف أبنائنا تثقيفا عربيا شرقيا موحدا ، وأقول موحدا لأنني أعتقد أن الخلافات السياسية التي مَنِيَ بها الشرق _يرجع معظمها إلى اختلاف الثقافات ، فالمثقف ثقافة انجليزية يحترم انجلترا ، و المثقف ثقافة فرنسية يحترم فرنسا ، وهكذا وزعنا الاحترام على الغير ، فلم يبق من احترامنا لأنفسنا شئ و كأننا استبدلنا بجنسيتنا الواحدة جنسيات متعددة ، كلها غريبة عنا و كلها مجمعة على اهتضامنا و هضمنا ، ولولا نزعات موروثة عن الأجداد الذين قهروا الرومان في افريقيا ، و دفعوا الصليبيين عن الشرق ، لم يبق لنا من ذلك التراث الغالي شئ ، بفعل التجهيل الذي هو غاية الاستعمار فينا، و بفعل هذه التعاليم الغريبة عنا . 








    

    

تعليقات